وزير التعليم التقني والفني يكتب مقال حول تمويل التعليم في ليبيا: رؤية إصلاحية لمرحلة ما بعد الأزمات

ليس التعليم في ليبيا أزمة مناهج فحسب، ولا معضلة مبانٍ أو كوادر، بل هو ـ في جوهره العميق ـ أزمة تمويلٍ ورؤيةٍ وإدارة. فحين تتعاقب الأزمات السياسية والاقتصادية، يكون التعليم أول القطاعات التي تُستنزف بصمت، وأشدها تحمّلًا لأعباء قرارات لا يُستشار فيها، ولا يُعوَّض عن خسائرها لاحقًا. لقد اعتادت السياسات العامة في ليبيا النظر إلى تمويل التعليم بوصفه بندًا استهلاكيًا في الموازنة العامة، يُزاد أو يُخفض تبعًا للظرف المالي، لا باعتباره استثمارًا وطنيًا طويل الأمد في الإنسان، وهو أغلى ما تملكه الدول الخارجة من الأزمات. ومن هنا يبدأ الخلل، لا من قلة الموارد وحدها، بل من طريقة التفكير في توظيفها. إن واقع تمويل التعليم في ليبيا يكشف عن ثلاث إشكاليات رئيسة: محدودية التنويع في مصادر التمويل، وضعف كفاءة الإنفاق، وغياب التخطيط الاستراتيجي طويل المدى. فالموازنة العامة ما تزال المصدر شبه الوحيد لتمويل المؤسسات التعليمية، في ظل غياب حقيقي للشراكات مع القطاع الخاص، وضعف استثمار الأوقاف التعليمية، وانعدام الآليات الحديثة لتمويل البحث العلمي والتدريب التقني. وفي مرحلة ما بعد الأزمات، لا يمكن إصلاح التعليم دون إعادة هندسة منظومة تمويله. فالدول التي نهضت من ركام الحروب لم تفعل ذلك عبر زيادة الإنفاق فقط، بل عبر توجيهه بذكاء، وربطه بالأولويات الوطنية وسوق العمل، وتحويله من إنفاقٍ تشغيلي جامد إلى استثمار منتج. وتقوم الرؤية الإصلاحية لتمويل التعليم في ليبيا على عدد من المرتكزات الجوهرية. أولها تنويع مصادر التمويل، عبر فتح المجال أمام الشراكات المنضبطة مع القطاع الخاص، وتشجيع الاستثمار في التعليم التقني والفني، وربط التمويل بمخرجات قابلة للقياس، دون المساس بمجانية التعليم أو عدالته الاجتماعية. فالشراكة هنا ليست خصخصة، بل تكامل مسؤول بين الدولة والمجتمع. وثانيها ترشيد الإنفاق ورفع كفاءته، من خلال الانتقال من تمويل المؤسسات إلى تمويل البرامج، ومن الصرف التقليدي إلى التمويل المبني على الأداء. فكل دينار يُنفق في التعليم يجب أن يكون قابلًا للتتبع والتقييم، مرتبطًا بجودة التعليم، وتطوير الكفاءات، وتحسين البيئة التعليمية، لا مجرد تغطية نفقات متكررة بلا أثر ملموس. أما المرتكز الثالث، فيتمثل في إحياء مفهوم الوقف التعليمي وصناديق دعم التعليم، بوصفها أدوات تمويلية راسخة في التجربة الحضارية الإسلامية، وقادرة ـ إذا أُحسن تنظيمها ـ على توفير موارد مستدامة للبحث العلمي، ورعاية الموهوبين، وتطوير المؤسسات التعليمية بعيدًا عن تقلبات الموازنات العامة. ولا تكتمل أي رؤية إصلاحية دون الحوكمة الرشيدة والشفافية. فتمويل التعليم لا ينجح في بيئة يغيب عنها وضوح البيانات، أو تتداخل فيها الصلاحيات، أو تُدار فيها الموارد دون مساءلة. إن بناء ثقة المجتمع في منظومة التعليم يبدأ من شفافية التمويل، وعدالة التوزيع، وإشراك الخبراء والمؤسسات الأكاديمية في رسم السياسات المالية التعليمية. إن ليبيا، وهي تطمح إلى مرحلة ما بعد الأزمات، لا تملك ترف تأجيل إصلاح تمويل التعليم. فكل عام يُهدر دون رؤية واضحة، هو جيل يُترك بلا أدوات للمستقبل. والتعليم الممول بعقلية الأزمة لا يمكن أن يصنع دولة مستقرة، بينما التعليم الممول برؤية إصلاحية واعية قادر على أن يكون حجر الأساس لنهضة وطنية شاملة. وفي الختام أقول : إنَّ تمويل التعليم في ليبيا ليس مسألة أرقام في جداول الموازنات، بل هو تعبير صريح عن أولويات الدولة، ومؤشر على إيمانها الحقيقي بالإنسان الليبي. فإما أن نُموّل التعليم لننقذ المستقبل، أو نؤجل الإصلاح لنُعمّق الأزم

by WalidMtve
44 عدد المشاهدات
A+A-
Reset

وزارة التعليم التقني والفني في ليبيا تُعد الجهة الحكومية المعنية بتوفير التعليم والتدريب في المجالات التقنية والمهنية، بهدف تأهيل الكوادر الوطنية وتعزيز مساهمتها في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

العنوان

بنغازي – الطريق السريع

الأكثر مشاهدة

© 2025 جميع الحقوق محفوظة – وزارة التعليم التقني والفني